لأن للأشجار عميقة الجذور.. -الراسخة في الصمود والعصية أمام الطوفان والشامخة بوجه الأعاصير-أوراقاً رقيقة جداً..
مرهفة الروح.. متشعبة العروق.. رقيقة الساق.. ندية اللب.. هشة الشعور.. خفيفة القلب.. هنية النفس.. مبسوطة الملامح..مؤنسة إن أقامت.. مشوقة إن مضت..
مبهجة حتى في سقوطها.. أخاذة حتى في ذبولها.. مطربة إن عصف بها.. صبورة إن جير عليها.. سهلة الإزهاق.. قنوعة المربى..
تتعلم الأغصان لغة العزاء والتأبين والوداع والرثاء..
وتتعلم لغة الاستقبال والمباركة والاحتفاء والزهو..
لكنها تتلعثم فيما بينهما..
ويلجمها زخم الحوادث..
لذا تمتد متشتتة نحو رحابة الفضاء..تسأل الله لغة السكينة والقرار.. لغة التوطن..تسأله ثقة الساق وصمودها..
ووحده الجذر يعلم أن الأوراق ما هي إلا ضحكات ودمعات وشهقات وزفرات.. كلمات ونظرات..
وحده الجذر يعلم أن الورقات نبضاته..أنهن حياة يرسلها وإن ظن الغصن فيهن موتاً هاطلا..
فوحده الجذر يسمع أنين الغصن على تششيع الورقة.. وزغاريد التربة على ولادة خريف جديد..
ووحده الجذر من يتنفس ويضحك ويبكي ويرقص ويحكي بهن..
الجذر وحده من يعلم أن صلابته بلينهن.. وقوته برقهن.. وبقاءه من مضيهن.. وحياته من موتهن.. وربيعه من خريفهن..
وحده الجذر يعلم.. أن تعلمه الضحك يدرك بتعلمه النحيب.. وتعلمه الحياة بذوقه الموت.. وتعلمه الوقوف بتجربته السقوط..
فمهما رفعت الأغصان أيديها وأعناقها وأبصارها يا ربي تدعوك وتشتكي..
الجذر يا رب الجذر راض..
الجذر يا رب الجذر راض..
الجذر يا رب الجذر مطمئن ساجد راض..